الجصاص

192

أحكام القرآن

قال : قرأت على مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس فيما دون خمس ذود صدقة ، وليس فيما دون خمس أواق صدقة ، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا سليمان بن داود المهري قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم ، وليس عليك شئ في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار ، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول " . وهذا الخبر في الحول وإن كان من أخبار الآحاد فإن الفقهاء قد تلقته بالقبول واستعملوه ، فصار في حيز المتواتر الموجب للعلم ، وقد روي عن ابن عباس في رجل ملك نصابا : " أنه يزكيه حين يستفيده " وقال أبو بكر وعلي وعمر وابن عمر وعائشة : " لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول " . ولما اتفقوا على أنه لا زكاة عليه بعد الأداء حتى يحول عليه الحول علمنا أن وجوب الزكاة لم يتعلق بالملك دون الحول وأنه بهما جميعا يجب ، وقد استعمل ابن عباس خبر الحول بعد الأداء ، ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينه قبل الأداء وبعده بل نفى إيجاب الزكاة في سائر الأموال نفيا عاما إلا بعد حول الحول ، فوجب استعماله في كل نصاب قبل الأداء وبعده . ومع ذلك يحتمل أن لا يكون ابن عباس أراد إيجاب الأداء بوجود ملك النصاب ، وأنه أراد جواز تعجيل الزكاة ، لأنه ليس في الخبر ذكر الوجوب . واختلف فيما زاد على المائتين من الورق ، فروي عن علي وابن عمر فيما زاد على المائتين بحسابه ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي . وروي عن عمر أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما ، وهو قول أبي حنيفة . ويحتج من اعتبر الزيادة أربعين بما روى عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم : " وليس فيما زاد على المائتي درهم شيء حتى يبلغ أربعين درهما " وحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " هاتوا زكاة الرقة من كل أربعين درهما درهما وليس فيما دون خمس أواق صدقة " فوجب استعمال قوله : " في كل أربعين درهما درهم " على أنه جعله مقدار الواجب فيه ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " وإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة شاة " . ويدل عليه من جهة النظر أن هذا مال له نصاب في الأصل فوجب أن يكون له عفو بعد النصاب كالسوائم ، ولا يلزم أبا حنيفة ذلك في زكاة الثمار لأنه لا نصاب له في الأصل عنده ، وأبو يوسف ومحمد لما